الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

133

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

من كون الكلام هو النفسي وأن الكلام مجاز في اللفظي وحيث إن الأمر نوع منه فيتبعه في ذلك وأنت خبير بأن ذلك أيضا ينافي ما ادعوه من الاتفاق في المقام إذ لا ملازمة بين الأمرين إلا أن يقال إن المراد بالقول أيضا هو النفسي وفيه ما لا يخفى نعم يصح على مذهبهم جواز إطلاق الأمر على الأمرين فلذا يصح تحديده بالقول وبالأمر القائم بالنفس فيكون الأول أمرا لفظيا والثاني نفسيّا ومن ذلك يظهر اندفاع ما أورده الكرماني وأما على رأي من يرى بطلان الكلام النفسي فقد يشكل الحال في ذلك وقد يبنى تحديدهم له على الوجه الثاني على التسامح فيكون تحديدا للدال بمدلوله ولا يبعد أن يقال بثبوت معنيين للأمر بحسب العرف وإن كان المتداول عندهم في الاصطلاح هو القول المخصوص إذ قد يراد به في العرف القول الخاص وقد يراد به الطلب المخصوص فعلى الثاني يكون مصدرا وعلى الأول يكون اسما للفظ المخصوص إن أريد به نفس الصيغة الصادرة كما هو الظاهر من أكثر تعريفاتهم المتقدمة فيكون كالماضي والمضارع ونحوهما وإن أريد به التلفظ بالصيغة وأدائها في الخارج كما هو أحد إطلاقي القول بكونه مصدرا أيضا كما هو الظاهر من استعمالاته العرفية وقضية اشتقاق سائر المشتقات منه وعليه ينطبق الحد الأول من الحدود المذكورة كما مرت الإشارة إليه وكيف كان فالظاهر ثبوت المعنيين والظاهر أنه على الأول يعم جميع الصيغ الموضوعة للطلب المذكور إذا أريد بها ذلك سواء كانت من العربيّة أو في غيرها وفي شمولها له لأسماء الأفعال وجهان وعلى الثاني يعم الطلب الحاصل بتلك الصيغة المخصوصة أو غيرها كقوله أمرك بكذا أو اطلب منك كذا ونحو ذلك فحده على الأول هو القول الذي أريد بمقتضى وضعه إنشاء طلب الفعل مع استعلاء الطالب أو علوه مع عدم ملاحظة خلافه وعلى الثاني هو طلب الفعل بالقول على سبيل الاستعلاء أو العلو كذلك وقد يورد عليهما باترك ونحوه إذ ليس طلبا للفعل مع كونه أمرا ويمكن الجواب تارة بالتزام خروجه إذ هو نهي في الحقيقة وإن كان بصورة الأمر وتارة بأن المراد بالفعل هو المعنى الحدثي المدلول عليه بالمادة فيعم ما لو كان تركا ونحوه حسبما مر وأخرى بأنه ليس المراد به مفاد مادة الأمر بل المقصود به الإيجاد المتعلق بالمادة كما أن المراد بالترك المتعلق المأخوذ في حد النهي هو الترك المتعلق بمادته وحينئذ فلا نقض إذ مفاد اترك هو طلب إيجاد الترك فتأمل بقي الكلام في المقام في بيان أمور يتعلق بالمرام أحدها [ في اعتبار العلو أو الاستعلاء وعدمه . ] أنهم اختلفوا في اعتبار العلو أو الاستعلاء وعدمه في صدق الأمر على أقوال منها اعتبار الاستعلاء سواء كان عاليا بحسب الواقع أو مساويا أو دانيا وهو المحكي عن جماعة من الخاصّة والعامة منهم الفاضلان والشهيد الثاني وشيخنا البهائي وأبو الحسين البصري والرازي والحاجبي والتفتازاني وغيرهم وعزي إلى أكثر الأصوليين بل حكى الشيخ الرضي الإجماع على أن الأمر عند الأصولي صيغة افعل الصّادرة على جهة الاستعلاء وعزى ذلك أيضا إلى النحاة وعلماء البيان ومنها اعتبار العلو خاصة وعزى إلى الشهيد وجمهور المعتزلة وبعض الأشاعرة ومنها اعتبار العلو والاستعلاء معا واختاره بعض المتأخرين في ظاهر كلامه وحكاه عن جماعة ومنها عدم اعتبار شيء منها وعزاه في النهاية إلى الأشاعرة ويظهر ذلك من العضدي ويعزى إلى ظاهر البيضاوي والأصفهاني والأظهر حسبما أشرنا إليه اعتبار أحد الأمرين من العلو والاستعلاء لكن لا بد في الأول من عدم ملاحظة خلافه باعتبار نفسه مساويا للمأمور أو أدنى منه ويدل على ذلك ملاحظة العرف أما صدقه مع الاستعلاء وإن خلا من العلو فلظهور صدق الأمر بحسب العرف على طلب الأدنى من الأعلى على سبيل الاستعلاء ولذا قد يستقبح منه ذلك ويقال له ليس من شأنك أن تأمر من هو أعلى منك وقد نص عليه جماعة وأما الاكتفاء بالعلو الخالي عن ملاحظة الاستعلاء فلأن من الظاهر في العرف إطلاق الأمر على الصيغ الصادرة من الأمر إلى الرعية والسيد بالنسبة إلى العبد وإن كان المتكلم بها غافلا عن ملاحظة علوه حين الخطاب كما يتفق كثيرا ومما يشير إلى ذلك انحصار الطلب الصادر من المتكلم في الأمر والالتماس والدّعاء ومن البين عدم اندراج ذلك في الأخير فيتعين اندراجه في الأول والحاصل أنهم يعدون الخطاب الصادر من العالي أمرا إذا لم يستحفظ نفسه وليس ذلك من جهة استظهار ملاحظة العلو لظهور صدقه مع العلم بغفلته أو الشك فيها أو الشك في اعتباره بملاحظة خصوص المقام والمناقشة بأن حال العالي لما اقتضت ملاحظة العلو في خطابه لمن دونه وكان بانيا على ذلك في طلبه جرى ذلك مجرى استعلائه ولو مع غفلته حين إلقاء الصيغة عن تلك الملاحظة مدفوعة بأن عد مجرد ذلك استعلاء محل منع ومع الغض عنه فقد يخلو المقام عن ملاحظة الاستعلاء قطعا كما إذا رأى السيد أحدا وشك في كونه عبده أو رجلا آخر مساويا له أو أعلى فطلب منه شيئا بصيغة الأمر فإن الظّاهر عده أمرا إذا كان عبده بحسب الواقع ولذا لو عصى العبد مع علمه بكون الطالب مولاه عد في العرف عاصيا لأمر سيده وذمه العقلاء لأجل ذلك مع أنه لا دليل إذن على اعتبار الاستعلاء وأما عدم صدقه مع استخفاض العالي نفسه بجعلها مساوية مع المخاطب أو أدنى فلظهور عده إذن ملتمسا أو داعيا في العرف كما أنه يعد المساوي أو الداني مع استعلائه أمرا فصار الحاصل أن الطلب الحاصل بالأمر أو الالتماس أو الدعاء إنما ينقسم إلى ذلك بملاحظة علو الطالب أو مساواته أو دنوه بحسب الواقع أو في ملاحظته على سبيل منع الخلوّ والعرف شاهد عليه والظاهر أن الطلب لا يكون إلا على أحد الوجوه المذكورة وفي ذلك أيضا شهادة على ما اخترناه وحيث علمت اعتبار الاستعلاء أو العلو على النحو المذكور في مفهوم الأمر كان دالا على ملاحظة العلو على أحد الوجهين سواء أريد به الطلب أو نفس الصيغة وأما مصداقه من الصيغة أو الطلب فلا يعتبر في صدق الأمر عليه ملاحظة العلو فيه لما عرفت من صدقه على الصيغة أو الطلب مع الخلو عن اعتبار العلو فيما إذا كان المتكلم عاليا بحسب الواقع نعم لا بد في إطلاق الأمر عليه من ملاحظة العلو على أحد الوجهين حجة القائل باعتبار الاستعلاء أن من قال لغيره افعل على سبيل الاستعلاء يقال إنه أمره ومن قال لغيره افعل على سبيل التضرع لم يصدق ذلك وإن كان أعلى وأنهم فرقوا بين الأمر والالتماس والدعاء بأنه إن كان الطلب على سبيل الاستعلاء كان أمرا إلى آخر ما ذكروه مضافا إلى ما عرفت من إسناده إلى الأكثر ونقل الاتفاق عليه وأنت خبير بأن الأول لا ينافي ما ادعيناه وما حكي عنهم من اعتبار الاستعلاء في الأمر ممنوع بل يظهر من بعضهم في الحكاية الفرق بين الأمور